التوتر الإقليمي يزيد الضغوط على القطاع الزراعي السوري رغم استمرار الإنتاج
شكل التصعيد العسكري والأمني الذي يعيشه الشرق الأوسط اليوم عامل ضغط إضافي على قطاعات حيوية في سوريا، منها القطاع الزراعي، الذي بات يعاني من آثار سلبية في ظل تأثر سلاسل الإمداد والتوريد بشكل كبير، وهو ما يجعل دعم المنتج المحلي، وتعزيز صمود المزارعين أمراً ضرورياً لضمان الأمن الغذائي المستدام في ظل هذه التحديات، كما يرى بعض المتخصصين الزراعيين.
تأثيرات محدودة حتى الآن
وأكد مدير الشؤون الزراعية والوقاية في وزارة الزراعة أحمد جلال الأحمد، في تصريح لمراسل سانا، أن تأثير التوترات الإقليمية على القطاع الزراعي لا يزال محدوداً حتى الآن، نتيجة اعتماد السوق المحلية بدرجة كبيرة على الإنتاج الوطني، واستمرار تدفق مستلزمات الإنتاج عبر الطرق البرية من دول الجوار دون تسجيل أي عوائق جوهرية في حركة الاستيراد أو التصدير.
وأوضح الأحمد أن الارتفاع العالمي في أسعار المواد الأولية واضطراب سلاسل التوريد، قد ينعكسان تدريجياً على تكاليف الإنتاج الزراعي خلال الفترة المقبلة، ولا سيما بالنسبة للشحنات الجديدة من البذور والأسمدة والمبيدات، بخلاف الكميات المتوافرة حالياً التي جرى استيرادها قبل التطورات الأخيرة.
وأشار إلى أن توقف تصدير بعض المواد الأولية الداخلة في صناعة الأسمدة من الدول المنتجة أدى إلى ارتفاع أسعارها عالمياً بنسب قد تصل إلى 20 بالمئة، الأمر الذي يرفع تكلفة تأمينها في السوق المحلية، ويزيد الأعباء المالية على المزارعين.
كما لفت الأحمد إلى أن ارتفاع أسعار حوامل الطاقة عالمياً، وما رافقه من اضطراب في حركة التجارة والملاحة، ينعكس مباشرة على كلفة تشغيل الآلات الزراعية وعمليات الري والنقل، وبالتالي على مجمل تكاليف الإنتاج.
وأضاف: إن تردد بعض شركات النقل البحري في تسيير رحلات إلى المنطقة، مقابل ارتفاع كلفة النقل الجوي، قد يؤثر على انسيابية الشحن، ويزيد من صعوبة وصول بعض المواد إلى السوق السورية.
وأكد الأحمد أن الوزارة تتابع التطورات بشكل مستمر، وتعمل على تقييم أي انعكاسات محتملة على القطاع الزراعي لضمان استقرار توافر مستلزمات الإنتاج، ودعم المزارعين في مواجهة أي ارتفاعات طارئة في التكاليف.
ضغط إضافي على العبء الثقيل
الخبير الزراعي أكرم عفيف بيّن أن سياسات النظام البائد خلال السنوات الماضية دمرت الإنتاج المحلي، ما أدى إلى تراجع كبير في القطاع الزراعي، وترك عبئاً ثقيلاً على المرحلة الحالية، لتضيف التوترات الإقليمية بدورها ضغوطاً إضافياً على هذا الواقع.
ولفت عفيف إلى أن قطاع الصادرات الزراعية لا يزال ضمن الحد الأدنى لنشاطه، لأنه لم يتعافَ بشكل كامل، إذ إن الإنتاج الزراعي المحلي أقل من مستواه المطلوب لتلبية حاجة التصدير، مبيناً أن أسعار بعض الخضار والفواكه والفروج شهدت ارتفاعاً في الفترة الأخيرة نتيجة تأثر حركة الاستيراد عبر الحدود، وانخفاض تدفق بعض السلع مقارنة بالفترة السابقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.
ودعا عفيف إلى دعم المنتج المحلي، والاستثمار في الموارد الزراعية المتاحة، وتطوير عملية الإنتاج بما يضمن تحقيق الاكتفاء، وتحسين القدرة على التصدير مستقبلاً.
استقرار نسبي
بدوره، اعتبر عضو لجنة المصدرين الزراعيين في اتحاد غرف الزراعة فهد السقا أن حركة التصدير والاستيراد لا تزال مستمرة رغم التوترات الإقليمية، لكنها ليست كبيرة كما كانت سابقاً، مستبعداً حدوث نقص في الأسمدة مع إمكانية تأمينها من مصادر متعددة عند الحاجة.
وشدد السقا على ضرورة متابعة نوعية الأسمدة المستوردة، والتأكد من جودتها، تجنباً لدخول مواد منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات.
من جانبه، رأى أمين سر غرفة زراعة دمشق وريفها مجد أيوب أن هناك حالة من الاستقرار النسبي في بعض مستلزمات الإنتاج، كالأدوية وبعض أنواع الأسمدة العضوية، لكن المشكلة الأساسية قد تتركز في الأسمدة الكيميائية، ولا سيما الآزوت والفوسفور والبوتاس، حيث إن المعمل المحلي لا يزال غير قادر على العودة إلى العمل بكامل طاقته.
ودعا أيوب إلى اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة التي من شأنها دعم الإنتاج المحلي، وتعزيز قدرته التنافسية، والعمل على تحسين واقع المنتجات الزراعية من مختلف الجوانب الإنتاجية والتسويقية، مع إيلاء اهتمام خاص بقطاع النقل والخدمات اللوجستية لما له من دور أساسي في ضمان انسيابية حركة المواد الزراعية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المحلية والخارجية.
وأكد أيوب أهمية تطوير منظومة النقل بما يسهّل عملية نقل المنتجات بسرعة وكفاءة، ويحافظ على جودتها وسلامتها أثناء الشحن والتخزين، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استقرار الأسواق، وتحسين حركة التصدير والاستيراد وتوسيع فرص وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق المختلفة.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا هجوماً واسعاً على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي، فيما ردت الأخيرة بالاعتداء على دول الخليج العربي وغيرها، ما أدى إلى تصاعد التوترات العسكرية، وانعكس بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز، وتعطلت بعض مسارات الملاحة، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، ما أثار مخاوف من تأثيرات غير مباشرة على سلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج.